رئيس التحرير يكتب: قراءة في زيارة أردوغان للقاهرة والرياض في وقت بالغ الأهمية
في توقيت شديد الحساسية، وسياق شرق أوسطي محتدم، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأولى زياراته الخارجية في العام 2026، متوجهًا إلى كلًا من السعودية ومصر، حيث ركزت الزيارة على تعزيز العلاقات التركية مع الرياض والقاهرة، إلى جانب بحث سبل التنسيق بين الدول الثلاث بشأن التطورات الإقليمية الراهنة، وخاصةً فيما يخص احتمالات تجدد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وتعقيدات المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وتطورات المشهد السوري، بما يخدم الاستقرار الإقليمي للمنطقة:
أولًا؛ حيثيات زيارة الرئيس التركي إلى السعودية:
استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بن عبد العزيز، يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026، الرئيس أردوغان في قصر اليمامة بالرياض، حيث عقدا جلسة مباحثات رسمية، تضمنت مناقشة أبرز التطورات الإقليمية والدولية، إلى جانب استعراض آفاق العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون والفرص الواعدة لتطويرها في مختلف المجالات.[1]
حضر جلسة المباحثات من الجانب السعودي، كلًا من: وزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان، وزير الحرس الوطني عبد الله بن بندر بن عبد العزيز، وزير الدفاع خالد بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الخارجية فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الاستثمار خالد الفالح، وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر، وسفير السعودية لدى تركيا فهد بن أسعد أبو النصر.
فيما حضر من الجانب التركي، كلًا من: وزير الخارجية هاكان فيدان، وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقتار، وزير المالية والخزانة محمد شيمشك، وزير الدفاع الوطني ياشار غولر، وزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح كاجير، رئيس الاستخبارات الوطنية إبراهيم كالن، رئيس الصناعات الدفاعية هالوك غورغون، رئيس الاتصالات الرئاسي برهان الدين دوران، مدير مكتب رئيس الجمهورية حسن دوغان، كبير مستشاري الرئاسة عاكف تشاغطاي كيليتش، وسفير تركيا لدى المملكة أمر الله أشلر.
1. بيان ختامي مشترك:
في ختام اللقاء، أصدرت السعودية وتركيا بيانًا مشتركًا، تضمن رؤى البلدين بشأن أبرز القضايا التي تضمنتها جلسة المباحثات، وفيما يلي أبرز ما أكد عليه البيان:[2]
متانة العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وضرورة توسيع آفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل تقارب الرؤى إزاء عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
أهمية استمرار التنسيق المشترك في المحافل الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء النزاعات ومنع تصعيدها في المنطقة، من خلال دعم المبادرات الإقليمية الهادفة إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.
ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وفق القانون الدولي الإنساني.
مركزية حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
أهمية الدور الحيوي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، في تقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني.
إدانة هدم القوات الإسرائيلية لمباني الأونروا في القدس المحتلة، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية للقوانين والأعراف الدولية، مع مطالبة المجتمع الدولي إلى مواجهة هذه الممارسات.
دعم وحدة اليمن وسيادته، ومساندة الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية عبر مسار سياسي شامل، وكذلك دعم وحدة السودان واستقراره، ورفض أي كيانات موازية خارج إطار مؤسسات الدولة، مع التأكيد على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
دعم وحدة الأراضي السورية، وضرورة تعزيز الاستقرار والسلم الأهلي، وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، مع المطالبة بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة.
دعم سيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، والالتزام بالحفاظ على استقرارها ورفاه شعبها وتنميته، مع رفض إعلان الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وأرض الصومال، لما يمثله من انتهاك للقانون الدولي، وتعزيز لأعمال انفصالية أحادية، تزيد من حدة التوتر في المنطقة.
تأييد التسوية السياسية الشاملة للأزمة الروسية الأوكرانية، عبر الحوار والمفاوضات، ووفق ميثاق الأمم المتحدة.
التوافق على تعميق الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، والاستفادة من الفرص التي تتيحها “رؤية السعودية 2030” و”رؤية قرن تركيا”، مع التركيز على تنمية التبادل التجاري غير النفطي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتفعيل مجلس الأعمال السعودي التركي.
أهمية التعاون في قطاعات النفط والبتروكيماويات، الطاقة المتجددة، الربط الكهربائي، الهيدروجين النظيف، التعدين والمعادن الحرجة، وسلاسل إمداد الطاقة، بما يعزز أمن الطاقة ويضمن استدامته.
ضرورة تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة، وتقنيات الفضاء، والنقل والخدمات اللوجستية والطيران المدني، والقانون والعدالة، والثقافة، والسياحة، والرياضة والشباب، والتعاون في مجالات العلم والتعليم، والإعلام، والبيئة والمياه والزراعة والأمن الغذائي، والجمارك، والصناعات الدفاعية، والصحة، والدفاع والأمن.
أهمية الالتزام بمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس، مع ترحيب السعودية برئاسة تركيا لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين “COP31″،واستضافة المؤتمر في مدينة أنطاليا خلال الفترة 9 – 20 نوفمبر 2026.
أهمية تطوير التعاون الدفاعي والأمني، بما يشمل مكافحة الإرهاب والتطرف، وتعزيز الأمن السيبراني، وتبادل الخبرات والتدريب، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
2. توقيع أربع اتفاقيات في ختام الزيارة:
وقعت كلًا من السعودية وتركيا، أربع اتفاقيات خلال الزيارة، شملت مجالات متعددة، من بينها العدالة، والطاقة المتجددة، والاستخدام السلمي للفضاء، والتعاون في البحث والتطوير والابتكار.
ومن ضمن تلك الاتفاقيات؛ اتفاقية بشأن بناء محطات لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، حيث وقعها عن الجانب السعودي، وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، وعن الجانب التركي، وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقدار.[3]
تهدف هذه الاتفاقية إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات الخضراء، ودعم تطوير وتنفيذ مشروعات عالية الجودة، تسهم في تنويع مزيج الطاقة وتعزيز أمنها، ودفع عجلة التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، بما يتماشى مع أولويات واستراتيجيات البلدين.
وتشمل الاتفاقية تطوير وتنفيذ مشروعات محطات للطاقة الشمسية في تركيا على مرحلتين، بقدرة إجمالية مركبة تصل إلى 5 آلاف ميجاوات، بحيث تضم المرحلة الأولى مشروعين للطاقة الشمسية في سيواس وكرمان، بقدرة إجمالية تبلغ 2000 ميجاوات، فيما تضم المرحلة الثانية مشروعات أخرى تُنفذ وفقًا للأطر المتفق عليها بين الطرفين، بقدرة إضافية تبلغ 3 آلاف ميجاوات.
وقد أكد الجانبان أن هذا الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشراكة الاستثمارية بين المملكة وتركيا، كما يعكس الثقة المتبادلة بين البلدين، والتزامهما المشترك بتوسيع التعاون في المشروعات الاستراتيجية ذات الأثر الاقتصادي والتنموي المستدام.
3. انعقاد منتدى الاستثمار السعودي التركي:
بالتزامن مع جلسة المباحثات التي عقدها الرئيس التركي وولي العهد السعودي، عُقدت فعاليات منتدى “الاستثمار السعودي التركي”، بمشاركة وفد تجاري تركي ضم أكثر من 200 شركة مهتمة بالعلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية مع المملكة وتنميتها.
وخلال فعاليات المنتدى، أكد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، أن الاستثمارات التركية المباشرة في المملكة، تجاوزت الـ2 مليار دولار، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 8 مليارات دولار، محققًا نمواً بنسبة 14% خلال عام واحد، مضيفًا التالي:[4]
انتقلت الشراكة الاقتصادية السعودية التركية، من مرحلة الحوار والاستكشاف، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، في ظل ثقة متبادلة ودور محوري للقطاع الخاص.
حضور وفد تجاري تركي بهذا الحجم، هو محل ترحيب سعودي، فالرياض تتطلع إلى مزيد من الاستثمارات التركية.
التعاون الاقتصادي، ودور القطاع الخاص تحديدًا، يمثلان عنصرًا جوهريًا في الشراكة الاستراتيجية بين السعودية وتركيا.
تم إصدار 1473 سجلًا استثماريًا لشركات تركية نشطة حتى العام 2025، مما يعكس نمو العلاقات التجارية بين البلدين.
تُعد هذه المرحلة من مسيرة التعاون بالغة الأهمية؛ نظرًا لتوقيتها، في ظل ما يشهده العالم من حذر وانتقائية أكبر في حركة رؤوس الأموال، وإعادة هيكلة سلاسل القيمة وسلاسل الإمداد العالمية.
تبرز السعودية وتركيا بوصفهما ركيزتين اقتصاديتين في منطقة الشرق الأوسط؛ بوصفهما الدولتين الوحيدتين في المنطقة ضمن مجموعة العشرين، وتمثلان معًا نحو 50% من الناتج المحلي للمنطقة بأسرها، كما يستحوذان على حصة كبرى من التجارة العالمية بين المنطقة والعالم، وكذلك من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
من جانبه؛ أكد رئيس مجلس الأعمال التركي السعودي هاشم سونغو، أن زيارة الرئيس أردوغان إلى الرياض، تشكل مؤشرًا واضحًا على الإرادة السياسية لدى البلدين، لتوسيع نطاق التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية، موضحًا التالي:
تهدف الزيارة إلى: إبرام اتفاقيات جديدة، زيادة حجم التبادل التجاري، تعزيز الاستثمارات المتبادلة، تعميق الشراكة بين قطاعات الأعمال التركية والسعودية.
تتكامل “رؤية السعودية 2030” بشكل واسع مع القدرات الصناعية والهندسية والتكنولوجية التي تمتلكها تركيا، مما يجعل الزيارة فرصة ملموسة لتأسيس مشاريع إستراتيجية مشتركة.
يهدف البلدان إلى رفع حجم التبادل التجاري بينهما من 8.6 مليارات دولار في العام 2025، إلى 10 مليارات دولار على المدى القريب، ولـ30 مليار دولار على المدى البعيد.
ثانيًا؛ حيثيات زيارة الرئيس التركي إلى مصر:
في أعقاب ختام زيارته إلى الرياض، توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة المصرية القاهرة، في صباح يوم الأربعاء 4 فبراير 2026، حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعقدا جلسة مباحثات ثنائية في قصر الاتحادية.
1. التوقيع على البيان الختامي لمجلس التعاون الاستراتيجي المصري- التركي:
عقب جلسة المباحثات الثنائية، ترأس الرئيسان أعمال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، حيث تناول الاجتماع تطورات العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، ولا سيما في مجالي التجارة والاستثمار، إضافة إلى بحث مستجدات القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الوضع في قطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط، وكذلك الأوضاع في السودان والصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
وفي ختام الاجتماع، وقع الرئيس السيسي ونظيره التركي على البيان الختامي المشترك، والذي تضمن 40 بندًا، وفيما يلي أبرز تلك البنود:[5]
النمو الكبير في حجم التبادل التجاري الثنائي، والذي اقترب من نحو 9 مليار دولار، مما يعكس الإرادة السياسية المشتركة للارتقاء بالعلاقات إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، وهو ما يُترجم في الاتفاق على رفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، من خلال المزيد من تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية.
ضرورة العمل على تحسين بيئة الاستثمار في كلا البلدين، وفي هذا السياق، رحب البلدان بإنشاء اللجنة الوطنية لتعزيز ومتابعة الاستثمارات التركية في مصر، بهدف مزيد من تيسير إجراءات الاستثمار.
تعزيز التعاون الصناعي والتصنيع المشترك في القطاعات ذات الأولوية، بهدف تعميق التصنيع المحلي وتيسير نقل التكنولوجيا وفق شروط متفق عليها بشكل متبادل؛ إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة والشراكات الصناعية، بما في ذلك المناطق والمشروعات الصناعية المشتركة التي تخدم الأسواق الإقليمية والدولية.
الالتزام بتوسيع نطاق التعاون في مجالات الإنتاج منخفض الانبعاثات والتحول الأخضر، بما في ذلك كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، والمشروعات الصناعية منخفضة الكربون.
الإقرار بإنشاء لجنة فنية مشتركة للتعاون في مجالات الصناعات الدوائية، والأجهزة الطبية، ونظم الرعاية الصحية، والسياحة العلاجية، وإعادة التأهيل الطبي، والمعلوماتية الصحية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك تبادل الخبرات وأفضل الممارسات.
تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات في القطاع الزراعي، من خلال تبادل الخبراء، وبرامج التدريب المشتركة، وتبادل أفضل الممارسات، مع مواءمة الإجراءات مع المعايير الدولية ذات الصلة، وتعزيز تبادل المعلومات، والرقمنة، ونظم الإنذار المبكر المتعلقة بصحة النبات والحيوان.
دعم عملية سياسية بملكية وقيادة ليبية، وبتسهيل من قبل الأمم المتحدة، بهدف الحفاظ على أمن واستقرار وسيادة ليبيا وسلامتها الإقليمية ووحدتها السياسية.
دعم خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة لإنهاء الحرب في غزة، بما في ذلك التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من غزة، مع التشديد على مركزية قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، في رسم مسار المرحلة الانتقالية المؤقتة إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية للإصلاحات المطلوبة، بما يمهد لعودتها إلى إدارة قطاع غزة.
الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الفلسطينية، وضرورة ضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل عاجل وآمن ومستدام ودون عوائق وعلى نطاق واسع، إلى جانب فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، والشروع، في أقرب وقت ممكن، في عملية تعافي مبكر وإعادة إعمار شاملة في جميع أنحاء قطاع غزة.
ضرورة إطلاق عملية سياسية تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
رفض السياسات والممارسات التي تتبعها إسرائيل لعرقلة أنشطة الأمم المتحدة ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “الأونروا”، والدعوة إلى احترام ولاية الوكالة ومنشآتها ووضعها القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة.
الالتزام بسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها، إلى جانب التشديد على أهمية جهود إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية سياسية شاملة وجامعة ومملوكة للسوريين، بمشاركة جميع المكونات السورية.
الحاجة إلى مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، بما يضمن عدم تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد لأمن واستقرار الدول المجاورة والمنطقة، مع أهمية معالجة قضية المقاتلين الإرهابيين الأجانب المرتبطة بتلك التهديدات، وكذلك إدانة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لسيادة سوريا واستغلالها للأوضاع الراهنة للاستيلاء على مزيد من الأراضي السورية، وضرورة الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
دعم لبنان وحكومته وشعبه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وانتهاكات السيادة اللبنانية، مع التأكيد على أن الحل المستدام يكمن في التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 من قبل جميع الأطراف.
التأكيد على ضرورة الحل السلمي للصراع السوداني، من خلال هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبها حوار وطني شامل، وعملية سياسية سودانية جامعة ومملوكة للسودانيين وتُقاد من قبلهم، مع الالتزام بسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وكذلك دعم المؤسسات الوطنية السودانية، والرفض القاطع لإقامة أي هياكل حكم موازية في السودان.
ضرورة معالجة معضلة الإرهاب في منطقة الساحل، وما خلفته من أزمة إنسانية حادة، نتيجة تصاعد الأنشطة الإرهابية، وما ترتب عليها من نزوح ملايين الأشخاص في المنطقة.
التأكيد على الدعم الثابت لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض أي إجراءات من شأنها تقويض ذلك.
ضرورة تأمين البحر الأحمر واستعادة المستويات الطبيعية للملاحة البحرية الدولية العابرة له، مع إدانة ورفض أي محاولات للسعي إلى وجود عسكري على سواحله، بما يخالف القانون الدولي والأعراف الدولية.
تكثيف جهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط، وخلق مناخ مواتي لاستئناف مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مبنية على حسن النية والاحترام المتبادل، للوصول إلى اتفاق مرضي يحقق مصلحة مشتركة، بما يرسخ السلام والاستقرار والرخاء في الشرق الأوسط.
الإقرار بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر، في ضوء ندرة المياه بها، خاصةً في ظل الأثر الضار للتغير المناخي على الموارد المائية.
الاتفاق على عقد الاجتماع القادم لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في عام 2028 بأنقرة.
2. انعقاد منتدى الأعمال المصري- التركي:
في إطار زيارة الرئيس التركي للقاهرة، عُقدت فعاليات منتدى رجال الأعمال المصري – التركي، والتي شهدت حضورًا واسعًا من ممثلي الحكومتين المصرية والتركية، إلى جانب نخبة من رجال الأعمال في البلدين، حيث شارك أكثر من 460 من رؤساء وممثلي الشركات التركية العاملة في مصر أو المهتمة باستكشاف فرص جديدة للاستثمار، فضلًا عن نحو 270 من ممثلي القطاع الخاص المصري.
تناولت جلسات المنتدى سبل تعزيز التبادل التجاري بين البلدين، واستعراض الفرص المتاحة أمام الاستثمارات التركية في السوق المصرية.
شارك الرئيس السيسي، ونظيره التركي في أعمال الجلسة الختامية للمنتدى، حيث ألقى الرئيس المصري كلمةً دعا فيها مجتمع الأعمال بالبلدين إلى:
تعزيز الاستثمارات الصناعية المشتركة في المجالات ذات الأولوية والقيمة التكنولوجية العالية، مثل صناعة السيارات ومكوناتها، وصناعة الكيماويات والمعادن والأجهزة المنزلية.
بناء شراكات لوجستية وخطوط نقل بحرى ومراكز توزيع إقليمية ترتبط بالموانئ المصرية، وتخدم الأسواق المحيطة.
دفع التعاون في مجالات التحول الأخضر وكفاءة الطاقة والتصنيع النظيف، بما يتماشى مع اتجاهات الأسواق العالمية.
تفعيل آليات التواصل المباشر بين الشركات، عبر لقاءات دورية ومجموعات عمل قطاعية، لضمان تحويل فرص التعاون إلى عقود ومشروعات قابلة للتنفيذ.
وقد تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين في المجالات العسكرية، التجارة والاستثمار، الأدوية والمستلزمات الطبية، الحماية الاجتماعية، الشباب والرياضة، والحجر النباتي والخدمات البيطرية.
ثالثًا؛ السياق ودلالات التوقيت:
تأتي جولة الرئيس التركي إلى منطقة الشرق الأوسط، وزيارته إلى كلًا من السعودية ومصر، في ضوء سياق إقليمي مشتعل، وخاصةً فيما يخص الحرب المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، والتي من شأنها في حال حدوثها، أن تنال من أمن واستقرار الشرق الأوسط، هذا إلى جانب التطورات المتتالية التي تشهدها جبهات عدة مثل غزة ولبنان وسوريا واليمن، ومن ثم؛ يحمل توقيت زيارة أردوغان، دلالات عديدة، من بينها:
تنسيق ثلاثي لاحتواء التوتر ومنع اتساع دائرة التصعيد في المنطقة؛ تُعتبر هذه الزيارة، إحدى الجهود والتحركات الإقليمية الهادفة إلى تهدئة أوضاع الشرق الأوسط، والتنسيق المشترك بشأن القضايا الحيوية التي تتصدر المشهد السياسي الراهن في المنطقة، ويُستدل على ذلك من تزامن الزيارة مع حراك دبلوماسي نشط للدول الثلاث، يشمل زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى السعودية والإمارات، وزيارة وزير الدفاع السعودي إلى قطر، وكذلك زيارة وزير الخارجية التركي إلى القاهرة، حيث تهدف تلك الزيارات إلى مواصلة التشاور والتنسيق، بوصفهما ركيزة أساسية لحماية الأمن الإقليمي في مواجهة الأزمات الراهنة.
مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقات وقف إطلاق النار؛ استأنفت إسرائيل ضرباتها وهجماتها الجوية على قطاع غزة مع مطلع العام 2026، مما يهدد بتدمير اتفاق السلام الشامل الموقع لإنهاء الحرب في القطاع الفلسطيني بشكل كامل، والذي يواجه أساسًا تعقيدات عدة حول آليات تطبيق المرحلة الثانية منه، والتي يُفترض أنها بدأت بفتح معبر رفح الحدودي.
وعلى النحو ذاته؛ بلغ التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مستوى مرتفعًا، بشكل يخالف اتفاق وقف إطلاق النار بين تل أبيب وحزب الله اللبناني، وبما يشمل الملاحقات والغارات الجوية التي تستهدف مناطق شمال الليطاني، إضافة إلى قصف مجمعات سكنية بعد إنذارات إخلاء، فضلًا عن تنفيذ عمليات اغتيالية طالت 27 شخصًا منذ بداية العام الجاري وحتى يوم 2 فبراير 2026.[6]
وفي ضوء هذا النهج الإسرائيلي التصعيدي، كان لا بد أن يكون هناك تحركات إقليمية تواجه انتهاكات تل أبيب السافرة، ويتضح هذا من خلال المواقف المشتركة والرؤى الموحدة التي أبدتها كلًا من تركيا ومصر والسعودية خلال الزيارة.
دعم جهود الوساطة التركية بين إيران والولايات المتحدة لتجنب سيناريو الحرب والتصعيد العسكري؛ تأتي الزيارة بالتزامن مع وساطة تركية في الملف الإيراني، حيث أكد الرئيس أردوغان، استعداده لأداء دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة لخفض التوتر بين الطرفين، ومنع وقوع حرب جديدة في المنطقة.
وقد انعكست تلك الوساطة في الاتصالات المكثفة التي قام بها الرئيس التركي ووزير خارجيته هاكان فيدان مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، فضلًا عن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى تركيا يوم 30 يناير 2026، ولقاءه مع الرئيس أردوغان، الذي أكد رفضه لأي تدخل عسكري ضد إيران، مؤكدًا على ضرورة حل الأزمة بالحلول الدبلوماسية السلمية.
وهذه الرؤية التركية تم التأكيد عليها في الزيارة التي أجراها أردوغان إلى الرياض والقاهرة، مما يبدو وكأنه تنسيق وتوحيد لرؤى الدول الثلاث بشأن الأزمة الإيرانية، ودعمًا لجهود الوساطة الإقليمية التي تبذلها هذه الدول من أجل احتواء التوتر وتهدئة الأوضاع وتجنب اندلاع حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط.
التنسيق بشأن أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ حملت الزيارة موقفًا تركيًا مصريًا سعوديًا موحدًا بشأن أهمية وضرورة استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يضمن حماية الملاحة الدولية في تلك المنطقة الاستراتيجية من أي تهديدات من شأنها أن تضر بالأمن الإقليمي.
وتنعكس تلك الرؤية في الموقف الموحد الذي أبدته الدول الثلاث فيما يخص رفض الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى “أرض الصومال” أو “صومالي لاند”، والتأكيد على دعم وحدة الصومال وسلامة أراضيه، وكذلك دعم وحدة الدولة اليمنية ضد أي دعوات أو تحركات انفصالية تهدد وحدة اليمن وسلامة أراضيه.
وقد عبر الرئيس أردوغان عن هذه الرؤية خلال زيارته بشكل واضح، قائلًا “الحفاظ على وحدة الصومال وسلامة أراضيه في جميع الظروف والحالات، أولوية قصوى لتركيا، وبالتالي، قرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال – صومالي لاند، قرار لا يكتسب أي شرعية، ولا وزن له، بل أنه يشكل تهديدًا كبيرًا لا يقتصر على منطقة القرن الأفريقي، بل يتعداه ليشكل تهديدًا خطيرًا لكل القارة الأفريقية بأسرها”.[7]
إعادة تموضع تركي وخدمة رؤية “القرن التركي”؛ يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث يُعاد إعادة تشكيل التحالفات وخرائط النفوذ والسيطرة، فضلًا عن التغيرات بميزان القوى الإقليمي، ويبدو أن تركيا تأتي في قلب تلك التطورات، حيث:
هناك تطورات عدة تخدم تعزيز النفوذ التركي في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تراجع وضعف المشروع الإقليمي الإيراني الذي كان ينافس المشروع الإقليمي التركي في عدد من الدوائر والملفات بالشرق الأوسط، هذا إلى جانب الجمود الذي أصاب ملف التطبيع مع إسرائيل عبر الاتفاقات الإبراهيمية على خلفية حرب غزة، مما يأتي في صالح أنقرة، هذا إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا والاتفاق الأخير بين النظام السوري الجديد وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” بشأن اندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية الرسمية، وهو ما يحرر أنقرة من الخطر الكردي الذي كان يهدد أمنها القومي بشكل مباشر، كما يعزز نفوذها في سوريا على حساب إيران وإسرائيل.
تأتي زيارة أردوغان أيضًا في سياق الحديث عن تحالف إقليمي يضم كلًا من السعودية وباكستان وتركيا ومصر، يهدف إلى: تعزيز الردع الإقليمي في مواجهة التهديدات المشتركة، حماية المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، خاصةً فيما يخص ممرات الطاقة والملاحة البحرية، وبناء تكتل أمني متعدد الأبعاد يواجه التدخلات الخارجية في المنطقة، وبشكل يهدد أمنها واستقرارها.
وقد انعكس ذلك بوضوح في تصريح وزير الدفاع الباكستاني رضا حياة حراج، يوم 15 يناير 2026، بأن “أعدت باكستان والسعودية وتركيا، مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت نحو عام”، وكذلك تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بأن “أنقرة تجري محادثات بشأن إمكانية إبرام اتفاقية دفاعية مع باكستان والسعودية”.[8]
وتعمل أنقرة على الاستفادة من المعطيات الإقليمية الراهنة بشكل يعزز نفوذها الشرق أوسطي، ويخدم رؤية “القرن التركي” التي تُعتبر المحدد للسياسة الخارجية التركية في مختلف الدوائر السياسية، وذلك من خلال التحرك على الأصعدة الثلاث؛ السياسية والاقتصادية والأمنية.
فعلى الصعيد السياسي؛ تسعى تركيا إلى غلق صفحة التوترات السابقة التي طالت علاقاتها مع بعض دول الإقليم وعلى رأسها مصر والسعودية، إلى جانب تعزيز العلاقات التركية- العربية، سواء على مستوى العلاقات الثنائية، أو على المستوى الجماعي، فضلًا عن محاولة تركيا إلى الانخراط في وساطات دبلوماسية تعكس الانخراط التركي المتزايد في قضايا الإقليم بعد عزلة، مثل وساطة أنقرة بين طهران وواشنطن، هذا بالإضافة إلى توحيد الرؤى ووجهات النظر التركية مع القوى الإقليمية العربية الأخرى، وفي مقدمتها مصر والسعودية، بشأن مختلف الملفات، وبالأخص غزة وسوريا واليمن والسودان وإيران والصومال.
أما على الصعيد الاقتصادي؛ شهد حجم التبادل التجاري التركي السعودي، والتركي المصري، نقلة نوعية كبرى، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع بعد الاتفاق خلال زيارة أردوغان على الارتقاء بالعلاقات التجارية بين أنقرة وكلًا من القاهرة والرياض، والذي ترافق مع توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية، وخاصةً في مجال أمن الطاقة.
وعلى الصعيد الأمني والعسكري؛ فقد عملت تركيا على تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، داعية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، بعدما أكدت الأحداث الأخيرة، وخصوصًا موقف الولايات المتحدة المتراخي من الهجوم الإسرائيلي على وفد حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، أنه لا يمكن الاعتماد بشكل كلي على الصناعات الدفاعية الغربية وخاصةً الأمريكية. وينعكس ذلك في اتفاق شركة “بايكار” التركية لإنتاج طائرات مسيرة في السعودية[9]، والاتفاقية العسكرية التي وقعها الرئيس التركي خلال زيارته إلى القاهرة بالأمس.
وإجمالًا؛ تأتي جولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المنطقة، وزيارته إلى السعودية ومصر، في توقيت شديد الأهمية بالنسبة للشرق الأوسط الذي يمر بمرحلة تتسم بإعادة تشكيل ورسم التحالفات وخرائط النفوذ، مما يؤكد بشكل واضح على أنها ليست زيارة عادية، بل قد تكون مقدمة إلى تأسيس شراكة إقليمية استراتيجية بين مصر والسعودية وتركيا، تقوم على مواجهة التحديات الإقليمية الحالية، وخدمة المصالح المشتركة، بحيث تتخطى هذه الشراكة مرحلة التنسيق، ولكنها قد تظل في مستوى أقل من التحالف حتى يكون هناك مساحة للتحرك بشكل منفرد في حال تباينت الرؤى في بعض المواقف.
وأيًا كان مستوى الشراكة والتنسيق الإقليمي الذي سيجمع الدول الثلاث، إلى جانب شركاء آخرين مثل باكستان وإيران، فلا شك أن زيارة الرئيس أردوغان تعكس تحولًا ستراتيجيًا في السياسة الخارجية التركية، يعيد لأنقرة دورها بوصفها لاعبًا محوريًا وشريكًا موثوقًا به في محيطها العربي، بما يخدم رؤية “القرن التركي” التي أطلقها الرئيس أردوغان في عام 2022، والتي تهدف إلى تعزيز مكانة تركيا إقليميًا ودوليًا.






